منتدى الطريقه النقشبنديه
مقاصد التوبة 412252
عزيزى الزائر/ عزيزتى الزائره
يرجى التكرم بتسجيل الدخول اذا كنت
عضو معنا
أو التسجيل ان لم تكن عضو وترغب فى الانضمام الى أسرة المنتدى
سنتشرف بتسجيلك
مقاصد التوبة 862936
مقاصد التوبة 22-4-99
ادارة المنتدى
منتدى الطريقه النقشبنديه
مقاصد التوبة 412252
عزيزى الزائر/ عزيزتى الزائره
يرجى التكرم بتسجيل الدخول اذا كنت
عضو معنا
أو التسجيل ان لم تكن عضو وترغب فى الانضمام الى أسرة المنتدى
سنتشرف بتسجيلك
مقاصد التوبة 862936
مقاصد التوبة 22-4-99
ادارة المنتدى
منتدى الطريقه النقشبنديه
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

منتدى الطريقه النقشبنديه

تصوف اسلامى تزكية واداب وسلوك احزاب واوراد علوم روحانية دروس وخطب كتب مجانية تعليم برامج طب و اسرة اخبار و ترفيه
 
الرئيسيةأحدث الصورالتسجيلدخول

 

 مقاصد التوبة

اذهب الى الأسفل 
2 مشترك
كاتب الموضوعرسالة
قمرالليل
المراقب العام
المراقب العام
قمرالليل


الساعه :
ذكر
عدد المساهمات : 676
مزاجك : ركوب الخيل
تاريخ التسجيل : 19/03/2011
العمر : 46
الموقع : هنا
العمل/الترفيه : !!!
الأوسمه عضو مجلس الإداره

مقاصد التوبة Empty
مُساهمةموضوع: مقاصد التوبة   مقاصد التوبة Icon_minitimeالأربعاء يونيو 01, 2011 8:58 pm

بسم الله الرحمن الرحيم

مقاصد التوبة

دعوة إلى السير في مدارج الكمال

قال الله جل جلاله: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: [31 وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التحريم 8]، وقال عز وجل: {وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الحجرات:11]

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه، فإني أتوب إلى الله في اليوم مئة مرة»

اللهم تب علينا توبة نصوحا..

اللهم تب علينا توبة ترضيك..

اللهم تب علينا توبة صادقة تقبلها منا..

أيها الأحبة في الله..

التوبة التي أمر الله بها عباده توبتان: توبة تغير السير، وتوبة تصحح السير، توبة يسلم بها العبد، وتوبة يجدد بها إسلامه، فالأولى توبة إسلام، والثانية توبة إحسان، والثانية منهما تكمل عمل الأولى؛ ذلك أن التحول الذي تحدثه التوبة التي تعقب الغفلة والضلال، وإن كان شيئاً ضخماً في مجال الأفكار والمعتقدات والمشاعر والأحاسيس والأقوال والأعمال، إلا أنه غير كافٍ لتحقيق كل ما ينـتـظـر الإنسان بعد الهداية، فعندما ينهض بإصلاح ما فسد من أخلاقه وعاداته، وتقويم ما اعوج من أعماله وتصرفاته، ويتتبع بقايا الجاهلية في سلوكه: يكون قد شرع في التوبة الثانية، وإذا كـانـــت الـتـوبــة الأولى تحدث مرة واحدة ويعيشها صاحبها في لحظة أو يوم، فإذا هو قد فصل بين عـهــدين من حياته، فإن التوبة الثانية تجديد مستمر، وعمل متواصل، وسعي دؤوب لتقليص هـامــش الإســاءة بجمـيــع صورها وتوسيع هامش الإحسان بكل أشكاله.

إن تـوبــــة الهداية والإيمان تشبه الوقود اللازم لتشغيل محرك معطل عن العمل، وتوبة الإحسان هــي الـوقــود الآخر الذي يحتفظ بالمحرك في حالة اشتغال حتى يبلغ صاحب السيارة مأمنه.

وقد يقول قائل: إن الإسلام إنما تحدّث عن توبة واحدة، فلماذا جعلتهما توبتين؟. والحقيقة: أننا لم نفـــرد الـتـوبــة الأولى عن الثانية بخصائص خاصة، فالرجوع إلى الله والإقبال عليه قاسم مشترك فيهما، ولكننا ميّزنا بين مرحلتين في حياة الإنسان، تحتاج كل منهما إلى توبة.

وإنما دعانا إلى هذا التمييز: ما نراه عـنـد كـثـيــر مــــن المسلمين من التهاون في الارتفاع بإسلامهم وإيمانهم، فتجد الواحد منهم ـ إذا كان قد حقق في أول التزامه بعض التحولات ـ لا يكاد يزيد عليها شيئاً جديداً، مع العلم أن إحلال السنة محل البدعة والطاعة محل المعصية لا يتم بين يوم وليلة.

لم يكن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هكذا، فقد كان الواحد منهم إذا أسلم يخلع على عتبة الإسلام رداء الجاهلية، ويشرع في إقـصــــاء شوائبها من حياته، ويواصل الليل بالنهار والنهار بالليل، ليصل أقصى ما يستطيع الوصول إليه من درجات الإسلام.

إن الكمالات التي جاء بها الإسلام وأمر بالمنافسة عليها كثيرة جدّاً، كما أن النقائص التي نهى عنها لا تنحصر، وإذا كان الشيطان يضع العوائق فـي وجــه ابن آدم يمنعه بها من التوبة الأولى، فإنه يستأنف محاولته مع من أفلت منه وتاب إلى ربــه ليعوقه عن التوبة الثانية، فيصرفه عن تجديد إسلامه لتستوي أيامه، وتضيع منه الفرص، وتتحول حياته إلى ركود، بل لا يتردد في جر الإنسان إلى الوراء والتقهقر إلى الخلف، فبعد أن كان يتقدم إذا به يتأخر.

حـوافـز التوبة:

إن دوافــع الـتـوبــة إذا استقرت في قلب المسلم، وصارت جزءاً من العلم الذي في صدره، دفعته للأخذ بأسباب الهداية التفصيلية، بعد أن أكرمه الله –تعالى- بنعمة الهداية العامة، ويوجد بحمد الله –تعالى- أكثر من حافز لهذا التجديد الذي يرتقي بنا في درجات الكمال الممكنة، ويجعلنا دوماً في زيادة من ديننا، ويجعل من التوبة عمل اليوم والليلة.

الحافز الأول: عموم الأمر بالتوبة والحث على تعجيلها:

لقد أمر الله (عز وجل) الناس كـافـة بالتوبة، وأمر بها المؤمنين خاصة، وهذا يعني أن أي إنسان -مهما بلغ إيـمـانـــــه وتدينه واستقامته- لا يـسـتغني عن التوبة، فهي بداية السير ونهايته، يصبح فيها العـبــد ويمـسي، ولا يـدعـهـا أبداً، لكن الناس يختلفون في موضوع التوبة؛ فقد يتوب عبد من الكفر في الوقت الذي يـتـوب آخر من بدعة، وثالث من ذنب كبير، ورابع من صغيرة، وخـامـــس من شبهة، وســادس من تـقصـير في فريضة أو نافلة، وسابع من ترك نصيحة أو غفلة عن ذكر أو تهاون في دعوة أو جهاد...

فهناك ـ إذن ـ أمر إلهي عام لعموم الـناس ولعموم المؤمنين بالتوبة إليه، وهذا الأمر يجعل من التوبة ثوباً لا ينزعه العبد ما عـــاش، وإن نزعه لبعض الوقت عاد إليه من قريب.

فمن الآيات التي خاطب بها -سبحانه- عـبــاده جميعاً: قوله –تعالى-: {وَإنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى} [طه: 82].

وقوله -سبحانه-: {إنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَــأُوْلـَئــِكَ يَـتُـــوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إذَا حَـضَــرَ أَحَدَهُمُ المَوْتُ قَالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} [النساء: 17، 18].

ومــن الأحــاديــث: قوله صلى الله عليه و سلم ـ فيما رواه الترمذي وحسنه ـ: "تُقبل توبة العبد ما لم يغرغر"، والغرغرة: الاحتضار، وقوله ـ فيما رواه مسلم: "إن الله -تعالى- يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها".

أما الآيات التي خاطـبـت المؤمنين خاصة، فمنها قول الله-تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً} ]التحريم: 8]، وقوله -عز وجل-: {وَتُوبُوا إلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31].

ولايخفى أن التوبة التي أمر الله بها المؤمنين ليست توبة الإسلام والإيمان؛ فهم مسلمون مؤمنون، ولكنها توبة الإحسان التي تجدد إسلامهم، وتقوي إيمانهم، وتصلح ما فسد من أعمالهم وتقوِّم ما اعوج من تصرفاتهم.

وما دامت الأخطاء واردة، فـالأمـــر بالـتـوبـــة قائم لا يجاوزه أحد، وهو في كل وقت على التعجيل والفور، لا التأخير والتراخي، وكل توبة قبل الموت فهي توبة من قريب، وكل ذنب فارتكابه جهالة.

الحافز الثاني: التفكر الدائم في حقيقة الزمن:

هناك حجاب كثيف من الغفلة يمنع أكثر الناس من إدراك حقيقة الزمن، فهم لا يرون في طلوع الشمس سوى بداية يوم جديد، يربطون فـيــــه الاتصال بمجموعة من الهموم الآنية والأغراض العاجلة، كما لا يرون في الليل سوى نهاية ذلك اليوم، ونادراً ما يتجاوزن هذا النظر القريب إلى نظر آخر بعيد، يبدو فيه تعاقب الـلـيــل والنهار درساً بليغاً، وموعظة، وذكرى للنفس: {وَهُوَ الَذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً} [الفرقان: 62].

كـل يــــوم يأتي هو فرصة لمن كان على قيد الحياة، فهذه الأيام لا تتعاقب بلا نهاية، بل لكل إنسان منها عدد محدود، يبدأ يوم ولادته، وينتهي يوم وفاته.

إن قراءة الــزمـن ـ على ضوء الآيات والأحاديث وأقوال أهل العلم والإيمان ـ تنتهي بالعبد إلى نتيجة أخيرة، هي: أن أحسن ما يقدم بين يديه في هذه الأيام هو العمل الصالح، وأول عمل صالح يقدمه بين يديه هو التوبة الصادقة، فيقبل على ربه بالافتقار، ويعتذر إليه عن التقصير في الـقـيـــام بـواجـب العبودية؛ لعل توبته تلك تشفع له بين يدي أعماله القليلة الهزيلة.

إن دورة اليوم، ودورة الأســبـوع، ودورة الشـهـر، ودورة العام: كل منها يعطي مثلاً لعمر الإنسان، قال الله تعالى-: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الحَيَاةُ الـدُّنــْـيَـــا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَراً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَــا الحـَـيَــاةُ الدُّنْيَا إلاَّ مَـتَـــاعُ الغُرُورِ} [الحديد: 20]

ففي هذه الآيات تعريف للدنيا وما يفعل الناس فيها؛ فهي لعب ولهو وزينة وتفاخر وتكاثر فـي الأمـــوال والأولاد، ومثالها في سرعة الانقضاء كمثل النبات يتم دورته في مدة يسيرة: فبينما هو نبت صاعد أخضر، إذا هو هشيم أصفر.

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- ـ فيما رواه الحاكم وابن المبارك في الزهد بسند صحيح من مرسل عمرو بن ميمون ـ: «اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك».

ففي هذا الحـديـث: أن الزمن سريع الزوال، والدنيا فرص، إذا لم يغتنمها صاحبها فاتت وذهبت، فالشباب لا بد يأتي بعده الهرم، والحياة يأتي بعدها الموت.

قال الحسن الـبـصــري:" إنما أنت أيام مجموعة، كلما مضى يوم مضى بعضك، وإنما أنت بين راحلتين تنقلانك، ينقلك الليل إلى النهار، وينقلك النهار إلى الليل، حتى يسلماك إلى الآخرة، فمن أعـظـم مـنـك يـــا ابن آدم خطراً، والموت معقود بناصيتك، والدنيا تطوى من ورائك؟."

لـقـد الـتـفــت الـحـسـن الـبصــري (رحمه الله) في هذه القولة إلى البعد الزماني في تعريف الإنسان، فهو مجموعة من الأيام إذا مضى منها يوم مضى منه بعضه حتى ينتهي.

قال بعضهم وهو يصف الدنيا: إنها أنفاس تُعد، ورحال تُشد وعارية ترد، والتراب من بعد ينتظر الغد، وما ثمّ إلا أمل مكذوب، وأجل مكتوب، فكيف يغفل مَن يَوْمُه يهدم شهره، وشهره يهدم سنته، وسنته تهدم عمره، وعمره يقوده إلى أجله.

إن التفكر في حقيقة هذا الزمن على ضــــوء تصور الإسلام للحياة الإنسانية ضروري للقيام بتجديد شامل ومستمر في الأفكار والأعمال، فهو يكشف له أن بضاعته في هذه الحياة هي الزمن، وكل يوم يبزغ فجره فرصة إمهال ـ قد تكون الأخيرة ـ وبعدها العذاب الشديد أو المغفرة والرضوان.

إن هذا التفكر في ذلك البعد هو الذي يوقف داء التسويف الذي يعاني منه كثير من الناس عندما يَعِدون أنفسهم بالتوبة عدة مرات، ويـقــولون: غداً غداً، فيجيء الغد ويصير يوماً، ويصير اليوم من بعد ذلك أمساً، وهم على حالهم، مغترون بالعافية والستر، لا يذكرون ما بين أيديهم من أهوال وأخطار، حتى يفجأهم الموت في وقت لم يتوقعوه، ويصرعهم في يوم لم ينتظروه، فتفوتهم فرصة التوبة والتدارك.

ولا يحسبن أحد أن التفكر الذي ندعو إليه هو تــلـك الأفــكـــار السوداوية التي تدعو إلى التشاؤم بهذه الحياة، بل نحن ندعو إلى تأمل إيجابي فعال، تـكــون ثمرته إعادة النظر في عوائد الحياة، وتصحيح ما لا يتفق مع قيمتها وأمانة الاستخلاف فيها.

إنه ما لم يستحضر الإنسان حقيقة الزمن بين عينيه بكل خطورتها فلن يتقدم خطوة واحدة في توبته، لكنه إن ذكر أن عمره ينقص ولا يزيد، وأنه يسعى في هدمه منذ نزل من بطن أمه، وأنه في كل يوم مودع.. تنبه وتيقظ، ولم يؤخر عمل اليوم إلى الغد؛ لأن للغد عمله.

وما أدري وإن أَمّـلــتُ عـمـراً **** لعلي حين أصبح لست أمسي

أَلـم تــر أَن كــل صباح يـــوم **** وعـمرك فـيه أقصــر منــه أمس

الحافز الثالث: النظر إلى الماضي:

خلق الله (عز وجل) الإنسان بقدرات عقلية متميزة، ومنها الــقـــــدرة على التذكر، وهذه القدرة التي أوتيها الإنسان دون سائر الحيوانات ليست من أجل التعرف على الأشياء عند رؤيتها، أو من أجل إتقان المهن والحرف والمهارات، أو من أجل الـقـــراءة والكتابة... أو غير ذلك من منافع الذاكرة فقط، بل هناك مهمة أخرى أسمى من هذا كله، هي: استرجاع الماضي بقصد المحاسبة والمراجعة، قال الله -تعالى-: {لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِـيَـامَةِ * وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} [القيامة: 1، 2]

والله -عز وجل- إذا أقسم بشيء من مخلوقاته: فإما لأجل بيان قدرة هذا الـشـيء ومنزلته، أو للتنبيه على ما فيه من دلائل الحكمة الإلهية، وفي هذه الآية أقسم –سبحانه- بـالنـفـس اللوامة تنبيهاً على هذه الآية العقلية، وهي: قدرة الإنسان على التفكير بعامة والـتـذكــــر بخاصة، وثانياً: تنويها بهذه النفس التي استعملت هذه القدرات العقلية فيما خلقت لها ولم تقصرها على جانب التسخير والانتفاع فحسب، فجعلتها للتفكر والمحاسبة والاعتـبار أيضاً.

إن الماضي لا يرجع، ولكن الإنسان يستطيع أن يسترجعه من الذاكرة، فإذا أحداثه حاضرة فـي وعــيـه وشـعـوره ينظر إليها، فإذا كان القصد من استرجاعها هو المحاسبة والمراقبة، فنحن أمام حافز آخر من حوافز التوبة.

إن الذي ينسى مـاضــيه بمجرد مروره لا يمكن أن يصحح حاضره أو يخطط لمستقبله، لأنه يعيش عمراً متقطعاً مـنـفـصلاً بعضه عن بعض، ولكن الذي يرى عمره سلسلة واحدة متصلة الحلقات، يأخذ من ماضيه لحاضره، ومن حاضره لمستقبله، وهذا الذي يأخذه هو الدروس والعبر، وهو التجارب والخـبـرات، فـالـــذي يـفـكـر في ماضيه على ضوء الطموحات التي اختطها لنفسه في الحياة، وعلى ضوء الغاية التي يسـعـى إليها، وهي رضوان الله والجنة، يستقل طاعاته لا محالة، ولسان حاله في كل مرحلة: لو استـقـبلت من أمري ما استدبرت لفعلت كذا ولتركت كذا، فيتدارك ما استطاع، ويعوض عما فات ويسابق الأيام في ذلك.

بهذا يؤدي الماضي للمسلم الذي ينظر فيه مهمة جليلة؛ لأنه يـتـحــول إلى ناصح وموجه، يدلي بمشورته عند الحاجة.

وإذا كانت التوبة الصحيحة تمحو ما قبلها، فإن هذا لا يعني أن المسلم إذا تاب ينسى ما قــدمـــت يــــداه: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} [الكهف57].

لكنه بعد التوبة يحـتـفــظ لـماضيه بهذه المهمة الإيجابية، وهي: الحث على الاستدراك وإصلاح الأخطاء، وهذا مـعـنــى قول بعض العلماء: معصية أورثت ذلاً وانكساراً خير من طاعة أورثت عجباً واستكباراً.

الحافز الرابع: النظر إلى المستقبل:

إذا كان الجـسم الإنساني مـحـصــوراً في الحاضر، خاضعاً لسلطته: فإن القلب يستطيع أن يتحرر من هــذه السلطة ليرتاد أغــوار الـمـاضــي وآفاق المستقبل، فيرى حياته في أطوارها الماضية والحاضرة والمقبلة، والذي ينظر إلى حياته بهذا الشكل الممتد ولا يـبـقـى سـجـيـن الحـاضـر هو الــذي يرى عواقب الأمور في بداياتها، فيغنم خيرها، وينجو من شرها؛ لأنه يُعِد لكل أمر عدته ويلبس لكل حالة لبوسها، ويتصرف أمام كل موقف بما يناسبه، لا قبل الأوان ولا بعد الأوان.

وإذا كان نـظـر المسلم إلى ما مضى يجدد عزمه ويشحذ همته، ليكون في يومه أفضل منه في أمسه، فإن نظـره إلى المستقبل يحثه على المسارعة بتنفيذ ما عزم عليه من توبة وتصحيح، فالآجال بيد الله وحـــده، والأعمال بالخواتيم، والمستقبل يشمل ما ينتظره بعد الموت من أهوال القبر، وما ينتظره بعد البعث من أهوال الحشر والحساب.

إنه لا يدري متى يستدعى، ولا يدري ما اسمه غداً، ولايدري أيخف ميزانه أم يثقل، ولا يدري أيكون من السعداء أم من الأشقياء.

كيف ينسى المسلم هذا المستقبل وهو معني به، وسيعيش لحظاته لحـظـــة لحظة، ويجتاز أطواره مرحلة مرحلة، حتى يكون مثواه في الجنة أو في النار؟

وإنما يغفل عن هذا المستقبل من ضعفت خشيته، وبهت يقـيـنـــه باليوم الآخر، وران على قلبه ما كسب من خطيئات، يلعب بالنار وهو لاهٍ غـافـــل، ويقف على حافة الهاوية وهو سادر معرض، حتى يفجأه الموت وهو على عمل من أعماله الرديئة، فيهلك هلاك الأبد.

إنه لا ينجي من سوء الخاتمة إلا الـتـفـكــر الــدائـم في المستقبل، والمستقبل يبدأ من اللحظة الآتية، ومن خاف سوء الـخــاتمة اجتهد في توسيع دائرة الإحسان في حياته وتقليص هامش الإساءة، وهذه هي التوبة الثانيـة بمعناها الواسع، فإنه لا يودع فترة من حياته إلا وقد شهد فيها إسلامه تحسناً جديداً.

الحافز الخامس: الشعور بالاصطفاء:

لقد مـضـت سـنـة الله –تعالى- في الناس أن يكون أهل الهداية قلة وأهل الضلالة كثرة: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَـــرَصْــــتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف: 103]، {وَإن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنعام: 116]، {وَتَــمَّـــتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [هود: 119]، {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُــكْـــراً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13] {وَالْعَصْرِ * إنَّ الإنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إلاَّ الَذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 1 3]

والتفكر في هذه الحقيقة الإلهية، وتتبع شواهدها في التاريخ والواقع: من أعظم الحوافز التي تدعو إلى التمسك بالهداية، والتشبث بأسبابها، والحذر من عوامل سلبها، فالذي يعـلــــم أنه بالتوبة الأولى قد التحق بالموكب الكريم من المؤمنين الصالحين، وانتمى إلى الصفوة المختارة من عباد الله يتقدمهم الأنبياء والمرسلون: يعمل أقصى جهده ليتبوأ أفضل مقعد في هذا الموكب، ويأخذ أحسن موقع في هذا الصف، ولا يزال يجاهد نفسه ويحملها على الأحسن والأصوب، وحتى يدرك من المراتب ما لا يشاركه فيه إلا القليل من الناس.

وأي شيء يهدده في هذه النعمة، ويحرمه من هذه المعية الطيبة وهذا الجوار المقدس: يبعد عنه ويحذر منه.

هذا الـشـعـــور بالاصطفاء الذي يبدأ في القلب عقب التوبة الأولى، ويزداد ويعظم بالتوبة الثانية: هو الذي يهون على النفس سائر المعاصي مهما تكن جاذبيتها؛ لأنه عندما يضع تلك اللذات في كفة، ويضع هذا الاصطفاء في كفة، ويكون ذا عقـل ورأي: لا يرجح إلا الثاني، ولا يأنس إلا به، وكيف لا يأنس وقد وجد الطريق ووجد الرفيق؟!.

الحافز السادس: التأسي برسول الله -صلى الله عليه وسلم: -

إن الـتـأســي برسول الله -صلى الله عليه وسلم- فــوق أنـه فرض واجب، فهو من أعظم الحوافز التي تدعو المسلم إلى تجديد إسلامه باستمرار.

والتأسي برسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليس عمل يــوم أو ليلة، ولكنه عمل كل يوم وكل ليلة حتى الوفاة، فقد جمع الله-عز وجل- الـكـمــالات البشرية في نبيه -صلى الله عليه وسلم-، وزكى سيرته من فوق سبع سماوات لتكون قــدوة للناس، فكل مسلم مأمور أن يدرس هذه السيرة بنيّة التأسي والاتباع، قال الله -تـعـالـى-: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} [الأحزاب21].

ومن اكـتـشـف هــذا المعِيـن: لزمه، واستقى منه، ومنع أي مصدر آخر أن يشوش عليه، وكيف يترك المقطوع به للمظنون، والمعصوم لغير المعصوم؟!.

وما دام المسلم يرى في سلوكه بدعاً ومحدثات وذنوباً وآثاماً، فإنه يشعر بالنقص الحاصل في امتثاله للآية السابقة، فيزداد اقتراباً من سيرة نبيه -صلى الله عليه وسلم-، جاعلاً الـغـاية التي يـشـمــــر إليها والشعار الذي يسعى نحوه: الأخذ بكل ما كان يفعله نبيه، والإقلاع عن كل ما كان يتركه.

إن الاقتداء برسول الله -صلى الله عليه وسلم- في صلاته، وصيامه، وحجه، وذكره، وطهوره، ودعوته، وفي شأنه كله: حافز من حوافز التوبة الثانية التي تمتد سائر العمر.

وإذا علم المسلم أن النبي نفسه ـ وهو المعصوم الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ـ قد أُمر بالتوبة والاستغفار في عدة آيات، آخرها عند فتح مكة لما قال الله -تعالى- له: {إذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كَانَ تَوَّاباً} [النصر: 1 3].

ماذا يكون حال غيره ممن لا يدري بَعْدُ مصيره، وفي الحديث الذي رواه مسلم يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «يا أيها الناس: تــوبــوا إلى الله واستغفروه، فإني أتوب في اليوم مئة مرة».

الحافز السابع: الاقتداء بالسلف الصالح:

الاقتداء بالسلف الصالح فرع عن الاقتداء بـرســول الله -صلى الله عليه وسلم-، والسلف الصالح هم القرون الثلاثة الأولى التي شهد لها رسول الله- صلى الله عليه وسلم-بالخيرية ثم جميع الذين يشبهونهم في الفهم والتطبيق، كيفما كان عصرهم، وكيفما كان بلدهم.

السلفية اتجاه في فهم الإسلام والعمل به، والسلف هم الذين تحققوا بمقومات هذا الاتجاه فـي كــل عصر، الأمثل فالأمثل، وفي حديث العرباض بن سارية -رضي الله عنه- قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أوصيكم بتقوى الله.... فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فـعـلـيـكــــم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة».

فذكر سنته، ثم ذكر سنة الخلفاء الراشدين بعده؛ لأنها امتداد لسنته، فقد كانوا -رضي الله عنهم- أشبه الـنـــاس به في صلاته وقضائه وجهاده وفي هديه كله، ثم يأتي بعدهم التابعون لهم بإحسان في كل جيل.

ويحتاج المسلم الذي يريــــد أن يجدد إسلامه ويتوب توبة الإحسان أن ينظر في سيرة من سبقوه، وحازوا قصب السبق في كل فضيلة؛ فعندما يطالع سيرهم: يقف على نماذج رائعة في استغلال الوقت، واسـتـثـمــــار العمر، ومبادرة الأجل بالأعمال الصالحة، وترتيب الأعمال حسب الأولوية، والموازنـــة بين العبوديات، والشمول في فهم الدين، واليقين العظيم في الجزاء، والبعد عن موجبــات النقمة والعذاب، ثم ينظر إلى نفسه، فيجدها بعيدة عن كل ذلك، فتتحرك في نفسه غبطة محمودة تحمله على منافستهم في مقاماتهم، والاقتداء بهم في أخلاقهم وأعمالهم، وقــــد كـتـــب علماؤنا كتب التاريخ والتراجم لهذا الغرض؛ حتى تبقى التجارب الناجحة في تطبيق الإسلام محفوظة، يستشهد بها الواعظ والخطيب والمربي والداعية والمدرس والشاعر والكاتب، كلّ في مجاله وموضوعه، وهذه مقتطفات من كتاب صيد الخاطر للشيخ عبد الرحـمــن بن الجوزي المتوفى سـنة 597هـ، نوردها مثالا لهذه السيرة النموذجية يقول: ” تأمـلـت نفسي بالإضافة إلى عـشـيـرتي الذين انفقوا أعمارهم في اكتساب الدنيا، وأنفقت زمن الصفوة والشباب في طلب الـعــلــم، فرأيتني لم يفـتـنـي مما نالوه إلا ما لو حصل لي لندمت عليه، ثم تأملت حالي: فإذا عيشي في الدنيا أجود من عيشهم، وجاهي بين الناس أعلى من جاههم، وما نلته من مـعـرفــة العلم لا يقاوم، وما طالت طريق أدت إلى صديق ـ كما يقال ـ، وقد كنت في حلاوة طلبي للعلم ألقى من الشدائد ما هو عندي أحلى من العسل؛ لأجل ما أرجو وأطلب"

” كنت في زمن الصبا آخذ معي أرغفة يابسة، فأخرج إلى طلب الحديث، وأقعد على نهر عيـســـى فـي ضواحي بغداد، فلا أقدر على أكلها إلا عند الماء، فكلما أكلت لقمة شربت علـيـها، وعين همتي لا ترى إلا تحصيل العلم، وأثمر عندي ذلك من المعاملة ما لا يدرك بالعلم، حتى إنـني أذكر في زمان الصبوة ووقت الغلمة والعزبة: قدرتي على أشياء كانت النفس تتوق إليها توقان العطشان إلى الماء الزلال، ولم يمنعني عنها إلا ما أثمر عندي من خوف الله -عز وجل-، ولولا خطايا لا يخلو منها بشر... لقد أخاف على نفسي العجب، غير أنه -عز وجل- صانني وعلمني وأطلعني من أسرار العلم على معرفته وإيثار الخلوة به، حتى لو حضر معي معروف الكرخي وبشر الحافي لرأيتهما زحمة.

وقد رباني -سبحانه- منذ كنت طفلاً، فإن أبي مات وأنا لا أعقل به، والأم لم تلتفت إليّ، فركّز في طبعي حب العـلـم، ومازال يوقعني على المهم فالمهم، ويحملني إلى من يحملني على الأصوب حتى قوّم أمري...

ولقد تاب عـلــى يــدي في مجالس الذكر أكثر من مئتي ألف، وأسـلـم على يدي أكثر من مئتين، وكم سالت عين متجبر بوعظي لم تكن تسيل... “.

هذه نشأة عالم مسلم وكلها تصون وعفاف، وعلم نافع وعمل صالح، ومع ذلك: كثيراً ما يؤنب نفسه، ويرى أنه لم يسلم بعد إسلاماً جيداً، يقول رحمه الله -تعالى-:

” تفكرت في نفسي يوماً محققاً، فحاسبتها قبل أن تحاسب، ووزنتها قبل أن توزن... ولقد تفكرتُ فـي خـطــايــــا لو عوقبت ببعضها لهلكت سريعاً، ولو كشف للناس بعضها لاستحييت، ولا يعتقد معتـقــد أنها من كبائر الذنوب حتى يظن بي ما يظن في الفساق، بل هي ذنوب قبيحة في حق مـثـلي، وقعت بتأويلات فاسدة... أف لنفسي! وقد سطرت عدة مجلدات في فنون العلم وما عبق بها من فضيلة، إن نُوظِرَتْ شَمَخَتْ، وإن نوصحت تعجرفت، وإن لاحت الدنيا طارت إليها طيران الرخم وسقوط الغراب على الجيف... أف والله مني اليوم على وجــــه الأرض وغداً تحـتـها!، والله إن نتن جسدي بعد ثلاث تحت التراب أقل من نتن إخلاقـي وأنـا بـيـن الأحباب... وغداً يقال: مات الحبر العالم الصالح، ولو عرفوني بحق معرفتي ما دفنونــي... والله لأنادين على نفسي نداء المكشِفين معايب الأعداء، ولأنوحن نوح الثاكلين للأبناء...

واحسرتاه على عُمْر انقضى فيما لا يطابق الرضى، واحرماني من مقامات الرجال الفطناء، يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله وشماتة العدو بي، واخيبة من أحسن الظن بي إذا شهدت الجوارح عَليّ، واخذلاني عند إقامة الحجـة، سخـر ـ والله ـ مني الشيطان وأنا الفطن “.

ثم يختم هذه المعاتبة بـقـوله: ” اللهم توبة خالصة من هذه الأقذار، ونهضة صادقة لتصفية ما بقي من الأكدار “.

فإذا كانت نـهـايــة حوار هذا العالم مع نفسه أن يسأل توبة خالصة ونهضة صادقة، فما أحرى من هو دونه علماً وعملاً أن يسأل ذلك.

ونـؤكــد أن المسلم إذا طـالــت صحبته لسِيَر السلف استوحش من أهل زمانه وأنكر أسلوب حـيـاتهم، وتعلق بالآفاق العالية التي حلق فيها أولئك الرجال العظماء النبغاء الموهوبون، فـهـو فـي كـل سـاعة مشغول بمنافستهم ومزاحمتهم، وكلما حل بمنزلة من منازل السير: تراءت له أخرى أعلى، وكلما دهمه كسل أو فتور: تذكر أنه في حلبة سباق، وأي تهاون أو تـبـاطــؤ سـيلقي به في مؤخرة المتنافسين، ويزيده تشجيعاً: أن الاجتماع بهؤلاء السلف الصالح هو السير على نهجهم والتخلق بأخلاقهم.

إن الاقتباس من السِّيَر الناجحة والتجارب الموفقة في تطبيق الإسلام يحدث توبة متجددة في حياة المسلم، ويصحح من أوضاعه باستمرار.

الحافز الثامن: حقارة الإنسان بلا إيمان:

إن مما يزكي خطوات المسلم في طريق التوبة: علمه أن الإنسان بلا إيمان كائن تافه حقير، بل هو لا شيء، يولد ويحيا ويموت كما ولد ومات الملايين من أمثاله.

ها هو الليل والـنـهـار قد صحبا قوم نوح وعاد وثمود وقروناً بين ذلك كثيراً، فقرب بهما البعيد، وبلي بهما الجديد، وتحقق بهما الموعود، ولا زالا يسيران في الباقين سيرتهما في السابقين، أفيكون من التبصر والتعقل تعرض الإنسان الضعيف الفقير لهلاك الأبد ـ إذا أصر على الكفر أو المعصية، وأنفق أيام عمره فيما يغضب الله ويسخطه عليه ـ؟.

أيكون من التعقل أن يعرف الإنسان طريق الأمان ويظل شارداً عنه، والله -سبحانه- يفرح بتوبته ـ إذا تاب ـ كما يفرح المسافر الذي أضل راحلته حتى أوشك الهلاك جوعاً وعطشاً، فوجدها وعليها طعامه وشرابه؟!.

كثير من الناس تتضخم عندهم ذواتهم، وتتحول إلى معبود يعبدونه من دون الله، فيظن أنه ذو شأن كبير بما عنده من أموال، أو ما يحمله من ألقاب، أو ما عنده من خدم وحشم وولد، وتخدعه الأعراض الزائلة، فيغفل عن البداية والنهاية، أو الميلاد والممات، وينسى أن ما أدركه من مال وجاه عَرَض حاضر، وعن قريب يزول، قال –تعالى-: {وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَـزَةٍ * الَّذِي جَمََعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ * يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ * كَلاَّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الحُطَمَةِ} [الهمزة: 1 4]، فـمـالُـه لا يُخلده، بل مثله مثل سائر الناس يموت بأجَله؛ فيترك المال وراء ظهره، ويقدم على ربه وحده.

تضخم الذات وتحولها إلـى محور لاهتمامات الشخص، واغتراره بالمكانة والجاه في بلده وقومه: موانع تحول دون الإنـســـان والتوبة، ولكنه متى علم أنه بلا إيمان كائن حقير، وأنه يموت فيرجع إلى ربه: طلب المكانة اللائقة به، بصفته مخلوقاً كريماً على الله الذي خلق كل شيء من أجله وخلقه لعبادته.

الحافز التاسع: العلاقة بين الإنسان والكون:

إن الإسلام ليس دين الإنسان فحسب، بل هو دين الكون كله، فالسماوات والأرض وما فيهما خاضع لكلمة الله الواحدة، وكل ما فيهما من كائنات علوية وسفلية مسلم لله عابد له بالكيفية التي تناسبه.

وأي مخالفة ـ مهما كانت هينة ـ تمثل شذوذاً عن كوْنٍ مسلم خاضع لربه مطيع لخالقه.

هذا الكون إبداع الخلاق العليم، والإنسان جزء منه، فالقوانين التي تحكم فطرته ليست بمعزل عن الناموس الذي يحكم الوجود كله، والله الذي خلق هذا الكون وخلق الإنسان، هو الذي سن للإنـسـان شريعة تنظم حياته تنظيماً متناسقاً مع طبيعته، فأي خروج عنها يعني التصادم مع الفطرة والكون.

وإذا كان الحفاظ على هذا الانسجام بين الفطرة والكون مطلباً عزيزاً؛ لكثرة أخطاء الإنسان وذنوبه: فــــإن الله -عز وجل- فتح باب التوبة، يدخله العبد كل وقت، فيجدد عهود الخلافة، ويصحح ما كان قد انتقض منها، وفي بعض الآثار: أن الإنسان إذا أذنب الذنب تستأذن المخلوقات في إهلاكه، فيقال لها: لعله يتوب، لعله يتوب.

إن الإحساس بالرابطة التي تربطنا بالكون ـ وهي رابطة العبودية لله ـ هو الذي يدفع إلى الالتزام الصارم بأوامر الشريعة؛ لأنها توفق بين نظام الكون ونظام الفطرة، وتكون التوبة التي تعقب الذنوب أو تجدد الطاعات بمثابة المصالحة التي تعقب الخصــام، أو القرب الذي يقرب التباعد والهجران.

الإنســـان المسرف على نفسه مثل النغمة النشاز التي تشذ عن أنشودة الكَوْن، أو هـــــي المتسابق الــذي يسير في عكس اتجاه الكوكبة، أو هو المصلي الذي يصلي في اتجاه مقابل للقبلة مخالفاً لباقي المصلين.

فلو تذكر الإنسان أنه ليس وحده في هذا الكون، ولو التفت يميناً وشــمــالاً، ورفع بصره وخفضه، ورأى آيات الله في الآفاق والأنفس، لرأى مخلوقات مقبلة على شأنها، قائمة بحق ربها، فيقبل مثلها على شأنه وينظر في أمر ربه فيلزمه، عـنـد ذلك يشعر بالأُنس، وتزول عنه الغربة التي يشعر بها غيره، فكيف إذا ترقى من الشعور بالأُنْس مع المخلوقات إلى الأنس بالخالق، فيأنس إلى ربه عـنـدمـا يشعر أن الله -تعالى- معه، يشهده وينظر إليه، وأن الله –تعالى- معه؛ يحفظه ويرعاه، وهذه هي جنة الدنيا التي مــن دخلها دخل جنة الآخرة ـ بإذن الله ـ.

والآن: وبعد أن استعرضنا هذه الحوافز: لا بد أن نـؤكـد في الأخير أن تجديد الإسلام في حياة المسلم مشروع كبير، وحتى ينجح أي مشروع لا بد أن يمر بثلاث مراحل: الأولى: التفكير والتنظير

والثانية: التخطيط والبرمجة

والثالثة: التنفيذ والمحاسبة.
فالتوبة التي تصحح سير المسلم إلى ربه مشروع ما بعد الهداية، فليضع له المسلم ما يحتاج إليه من أهداف وبرامج، وهذا الشق العملي لا يُقَال، بل يمارس ويطبق.

نسأل الله - تعالى- أن يرزقنا الإخلاص في القصد، ويلهمنا الصواب في العمل.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الناظر النقشبندى
إدارى المنتدى
إدارى المنتدى
الناظر النقشبندى


الساعه :
الدوله : مصر
ذكر
عدد المساهمات : 3363
مزاجك : المطالعه
تاريخ التسجيل : 24/01/2011
العمر : 55
الموقع : الطريقه النقشبنديه
العمل/الترفيه : القراءه والأطلاع الصوفى
الأوسمه عضو مجلس الإداره

مقاصد التوبة Empty
مُساهمةموضوع: رد: مقاصد التوبة   مقاصد التوبة Icon_minitimeالخميس يونيو 02, 2011 8:24 am

مشكورررررررررر
أخى الكريم بارك الله فيك
وجزاك الله خيرا
جعله الله قى ميزان حسناتك

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://abonor.ahlamountada.com
 
مقاصد التوبة
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1
 مواضيع مماثلة
-
» قراءة في علم مقاصد الشريعة الإسلامية
» عظم فضل التوبة‎
» طريق التوبة

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الطريقه النقشبنديه  :: الطريقه النقشبنديه للتزكيه والاداب  :: التزكيه والآداب والسلوك-
انتقل الى:  
المواضيع الأخيرة
» للخلاص من كل مرض وبليه ومجرب
مقاصد التوبة Icon_minitimeالخميس أبريل 27, 2023 4:07 pm من طرف mechri

» الأربعون النووية
مقاصد التوبة Icon_minitimeالأحد سبتمبر 19, 2021 7:38 am من طرف احمد محمد النقشبندي

» مجموعة كتب فى الفقه العام و أصول الفقه.
مقاصد التوبة Icon_minitimeالسبت سبتمبر 04, 2021 10:57 pm من طرف احمد محمد النقشبندي

» السيرة النبوية لإبن هشام
مقاصد التوبة Icon_minitimeالسبت سبتمبر 04, 2021 10:51 pm من طرف احمد محمد النقشبندي

»  الجن و دياناتهم
مقاصد التوبة Icon_minitimeالثلاثاء أبريل 04, 2017 5:46 pm من طرف الموجه النقشبندي

» برنامج لكسر حماية ملفات الـ pdf لطباعته
مقاصد التوبة Icon_minitimeالثلاثاء أبريل 04, 2017 5:46 pm من طرف الموجه النقشبندي

» حمل كتب الامام محي الدين بن عربي
مقاصد التوبة Icon_minitimeالثلاثاء أبريل 04, 2017 5:46 pm من طرف الموجه النقشبندي

» رياض الصالحين .
مقاصد التوبة Icon_minitimeالثلاثاء أبريل 04, 2017 5:46 pm من طرف الموجه النقشبندي

»  دعآء آلهم و آلحزن و آلكرب و آلغم
مقاصد التوبة Icon_minitimeالثلاثاء أبريل 04, 2017 5:45 pm من طرف الموجه النقشبندي

» للوقايه من شر الإنس والجن
مقاصد التوبة Icon_minitimeالثلاثاء أبريل 04, 2017 5:45 pm من طرف الموجه النقشبندي

» خواص عظيمه للزواج
مقاصد التوبة Icon_minitimeالثلاثاء أبريل 04, 2017 5:44 pm من طرف الموجه النقشبندي

» اختصاص الامام علي كرم الله وجهه بالطريقة
مقاصد التوبة Icon_minitimeالثلاثاء أبريل 04, 2017 5:38 pm من طرف الموجه النقشبندي

» النقشبندية...منهجها وأصولها وسندها ومشائخها
مقاصد التوبة Icon_minitimeالثلاثاء أبريل 04, 2017 5:36 pm من طرف الموجه النقشبندي

» الشريف موسى معوض النقشبندى وذريته وأبنائه 9
مقاصد التوبة Icon_minitimeالثلاثاء أبريل 04, 2017 5:35 pm من طرف الموجه النقشبندي

» االرحلة الالهية
مقاصد التوبة Icon_minitimeالثلاثاء أبريل 04, 2017 5:34 pm من طرف الموجه النقشبندي

أقسام المنتدى

جميع الحقوق محفوظة لـ{منتدى الطريقه النقشبنديه} ®
حقوق الطبع والنشر © مصر 2010-2012
@ الطريقه النقشبنديه للتعارف والاهداءات والمناسبات @المنتدى الاسلامى العام @ الفقه والفتاوى والأحكام @ منتدى الخيمه الرمضانيه @ قسم الصوتيات والمرئيات الاسلاميه @ الطريقه النقشبنديه للثقافه والموضوعات العامه   منتدى الطريقه النقشبنديه للحديث الشريف @ منتدى الطريقه النقشبنديه للعقيده والتوحيد @ منتدى الطريقه النقشبنديه للسيره النبويه @ منتدى مناقب ال البيت @ منتدى قصص الأنبياء @ شخصيات اسلاميه @   الطريقه النقشبنديه والتصوف الاسلامى @ الطريقه النقشبنديه @ صوتيات ومرئيات الطريقه النقشبنديه @ رجال الطريقه النقشبنديه @ @  قصائد نقشبنديه @  منتدى قصائد أهل التصوف والصالحين @ منتدى سيرة ألأولياء والصالحين @ شبهات وردود حول التصوف الاسلامى @ التزكيه والآداب والسلوك @ أذواق ومشارب الساده الصوفيه @ الصلوات المحمديه على خير البريه @ أحزاب وأوراد @ أدعيه وتوسلاات @   تفسير الروىء وألأحلام @  منتدى الروحانيات العامه @  منتدى الجن والسحر والعفاريت @  منتدى الكتب والمكتبات العامه @ منتدى الكتب والمكتبات الصوفيه @ منتدى كتب الفقه الاسلامى @ كتب التفاسير وعلوم القران @ كتب الحديث والسيره النبويه الشريفه @ منتدى الابتهالاات الدينيه @ منتدى المدائح المتنوعه @ منتدى مدائح وأناشيد فرقة أبو شعر @ منتدى مدح الشيخ ياسين التهامى @ منتدى مدح الشيخ أمين الدشناوى @ منتدى القصائد وألأشعار @ منتدى الأزهر الشريف التعليمى @ منتدى معلمى الأزهر الشريف @ منتدى رياض الأطفال @ منتدى تلاميذ المرحله الابتدائيه @ منتدى طلاب وطالبات المرحله الاعداديه @ منتدى التربيه والطفل @ منتدى الاسره والمجتمع @ منتدى المرأه المسلمه @ منتدى الترفيه والتسليه @ منتدى الطريقه النقشبنديه للصور الاسلاميه @ منتدى صور الصالحين @ منتدى غرائب وعجائب الصور @ الصور والخلفيات العامه والمتحركه @ منتدى الطب النبوى @ أمراض وعلاج @ منتدى الوقايه خير من العلاج @ قسم الجوال والستالاايت @ قسم البرامج العامه للحاسوب @ دروس وشروحات فى الحاسوب @ تطوير مواقع ومنتديات @ انترنت وشبكات @ منتدى الشكاوى والمقترحات @ منتدى التبادل الاعلانى @
الدخول السريع
  • تذكرني؟
  • اليكسا
    التسجيل
    حفظ البيانات؟
    متطلبات المنتدى
    أرجو قفل الموضوع


    هذه الرسالة تفيد أنك غير مسجل .

    و يسعدنا كثيرا انضمامك لنا ...

    للتسجيل اضغط هـنـا

    تنويه
    لا يتحمّل منتدى الطريقه النقشبنديه الصوفيه أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها أو نشرها من قبل الساده الأعضاء أو المشرفين أو الزائرين
    ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل المسؤولية عن كتاباتهم وإدراجاتهم   التي تخالف القوانين
    أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر.
    مواضيع مماثلة
    rss
    Preview on Feedage: free Add to My Yahoo! Add to Google! Add to AOL! Add to MSN
    Subscribe in NewsGator Online Add to Netvibes Subscribe in Pakeflakes Subscribe in Bloglines Add to Alesti RSS Reader
    Add to Feedage.com Groups Add to Windows Live iPing-it Add to Feedage RSS Alerts Add To Fwicki
    تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية
    تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية reddit      

    الطريقه النقشبنديه

    قم بحفض و مشاطرة الرابط منتدى الطريقه النقشبنديه على موقع حفض الصفحات