[size=21]ما مرت على أمة المصطفى صلى الله عليه وسلم فترة هي أحوج ما تكون فيها إلى الوحدة
والتضامن من هذه الفترة التي هي فيها، عدونا شرس كما تعلمون، ولكن سلاحه الوحيد
الذي يتغلب به على هذه الأمة إنما هو سلاح فرقتها، ولن يكون هنالك سلاح تتغلب به
الأمة الإسلامية على شراسة هذا العدو إلا سلاح واحد هو سلاح التضامن وسلاح الاتحاد،
ولو أننا تساءلنا عن السبيل إلى هذه الوحدة، لجاءنا الجواب سريعاً من رب العالمين،
هذا الدين الذي شرفنا الله عز وجل به هو حصن الاتحاد، وهو الجاذب إلى التضامن،
ولولا ذلك لما قال الله عز وجل: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا
تَفَرَّقُوا} [آل ‌عمران: 3/103] وهل كان الدين حبلاً إلا لأنه المستمسك لهذه
الأمة؟ ومن ثم لأنه أداة الوحدة والتضامن والتكافل، ومحور التلاقي ضد
التفرق.

ومع ذلك أيها الإخوة؛ فإننا لنجد هذا من أغرب العجب العجاب، ومع هذا
فإننا لنجد في المسلمين وفي هذا المنعطف الخطير الذي نمر به والذي يستعمل فيه هذا
العدو الشرس أمضى سلاح للتغلب به علينا، ألا وهو سلاح التفريق والتمزيق وإشاعة
أسباب الخصام بين المسلمين، نجد في المسلمين من لا شغل له إلا أن ينفخ في نيران
التفرقة، لا شغل له قط إلا أن ينفخ في نيران الخصام والشقاق بين الإخوة المسلمين،
هم مسلمون ولا نستطيع أن نتهمهم بغير ما يتبدى ويظهر منهم، ونحن نسير تحت مظلة
القاعدة القائلة: ((إننا نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر)).

ولكن ما أبعد
الإسلام عن سلوكهم الذي يظلون عاكفين عليه ليل ونهار! إنني أتساءل عن حال أسرة في
بيت واحد يختلفون فيما بينهم في شؤون الدنيا، وفي شؤون العمل، في إدارة المنزل،
وذات يوم التهبت نار داخل هذا المنزل؛ وهودت المنزل بكل ما فيه ومن فيه بالدمار.
إلامَ يؤول حال أفراد هذه الأسرة، إذا كانوا يتمتعون بأدنى درجات العقل وأدنى درجات
الوعي؟ كلكم يعلم أنهم، لا أقول يتناسون، بل ينسون أمورهم التي كانوا يختلفون فيها،
ينسون قضايا المنزل، وشؤون الإدارة للبيت، وأمور الأعمال والدنيا التي يشتغلون بها،
ينسون ذلك كله ويجتمعون صغيرهم وكبيرهم ذكرهم وأنثاهم على السعي إلى إطفاء هذه
النار. هذا هو واقع أمتنا اليوم، ومع ذلك فإن في أعضاء هذه الأسرة، أسرة أمتنا
الإسلامية من لا يبالي بهذه النار التي تهدد بأن تأتي على الأخضر واليابس، تهدد
بالقضاء على هذه الأمة بكل من فيها وما فيها.

أجل هذه الحال التي أصفها لكم،
مظهر من مظاهر الإعجاز الإلهي، في القرآن أية تتحدث صراحة عن هؤلاء الذين لا دأب
لهم إلا أن ينفخوا في أخطر نار تلتهب، ألا وهي نار الخصام والشقاق بدون موجب {هُوَ
الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ
الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ
فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ} [آل ‌عمران: 3/7] لماذا؟ لكم في الآيات
المحكمات الصريحة الواضحة ما يجعلكم تأوون إلى حصن من الوحدة والتضامن والتآلف،
ولكم في هذه الآيات الواضحة الصريحة ما يبين لكم الطريق إلى الله ويحل لكم سائر
المعضلات والمشكلات. لماذا تعرضون عن هذه المحكمات البينات في كتاب الله عز وجل،
وتلتقطون المتشابه؟ لأنكم رواد فتنة ولأن إيقاظ الفتنة يتوقف على الابتعاد عن
المحكم الصريح الواضح البين في كتاب الله عز وجل، والتقاط المتشابه لكي يكون من هذه
الآيات المتشابهة ساحة واحدة يستطيع رواد هذه الفتنة أن يتحركوا فيها كراً وفراً
ليحققوا أهدافهم.

أرأيتم إلى هذه الآية في كتاب الله عز وجل؟ إنها تنعت
هؤلاء الذين لا يبالون لهذا العدو الذي يقتل الأبرياء فيكم، والذي يهدم البيوت على
أربابها، والذي يقتنص الحقوق، ويسلب الأرض والعرض، لا يبالي بذلك كله هو مشغول بشيء
آخر، مشغول بالنفخ في هذه النار، النار غير موجودة، يوقدها ثم ينفخ فيها، أجل.
مشغول بتكفير الأشاعرة، مشغول بإثارة الحديث عن المسلمين، تكفير هؤلاء، تبديع
هؤلاء، وجر المسلمين جميعاً إلى ساحة من الخصام والشقاق لا نهاية لها.

نعم
أيها الإخوة، هؤلاء يسرحون ويمرحون على هذا النهج، وابتغاء هذا الهدف في كثير من
بلادنا العربية والإسلامية. أنظر هل هم معنيون بهذا العدو الذي يهلك الحرث والنسل
في العراق؟ أبداً أيها الإخوة. هل هم معنيون بهذه الحال التي آل إليها إخواننا في
فلسطين؟ أبداً أيها الإخوة. إنهم معنيون بتكفير الأمة.

من هم الأشاعرة
والماتريدية؟ هم اللسان الناطق والمترجم لعقيدة السواد الأعظم لهذه الأمة، والسواد
الأعظم هو ما قد أمر المصطفى صلى الله عليه وسلم باتباعه ((عليكم بالسواد الأعظم))
والأحاديث التي تركز على ضرورة اتباع السواد الأعظم من الأمة الإسلامية كثيرة، وقد
بلغت فيما ذكره كثير من العلماء إلى درجة التواتر المعنوي. أجل، كلها بألفاظ متنوعة
مختلفة تدعوا إلى اتباع السواد الأعظم، لا السواد الأعظم من العالم، وإنما تدعوا
إلى السواد الأعظم من المسلمين، الأشاعرة والماتريدية هم الذين قيض الله عز وجل
منهم القوة التي قضت على فقاقيع الفرق المبتدعة التي سادت في عصر من العصور ثم بادت
بفضله. الأشاعرة والماتريدية هم أتباع ذينك الرجلين الذين عاشا في لب عصر السلف،
أجل، والذين قيض الله عز وجل منهم سبيلاً للقضاء على المعتزلة والجهمية والمرجئة
والحشوية والقدرية إلى آخر من هنالك. كانت عبارة عن فقاقيع بسيطة كليلة ظهرت كظهور
الثآليل على الجسد السوي، فكان من فضل الله ورحمته بهذه الأمة أن قيض الله من هذين
الرجلين ما قضى على هذه الفقاقيع وعلى هذه الفرق المبتدعة، وشكرت الأمة الإسلامية
جيلاً بعد جيل بعد جيل هذه النعمة التي أسداها الله عز وجل إلى الأمة، ونجد اليوم
من لا يشعر بالمصيبة التي حاقت بعالمنا العربي والإسلامي، لا يشعر بالنار التي
تلتهم منزل هذه الأسرة الإسلامية، وإنما هو في شغل شاغل متجه إلى وظيفة أقيم عليها،
إلى تبديع؛ تكفير الأشاعرة، واستثارة أسباب الشقاق، من لا شيء، من لا شيء أيها
الإخوة. يكون الإخوة المسلمون في مسجد من المساجد في بيت من البيوت متآلفين متوادين
متعاونين، وإذا بواحد منهم يدخل فيهم كما يدخل الظربان يبدأ ببث أسباب الشقاق
والفرقة.

أين الله؟

لابدَّ أن يطرح هذا السؤال، فإن قال قائل: أقول
كما قال الله عز وجل: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ
الأَرْضَ} [الملك: 67/16]هو في السماء وقال: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلَهٌ
وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ} [الزخرف: 43/84] وقال: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَما كُنْتُمْ}
[الحديد: 57/4] وقال: {وَلَقَدْ خَلَقْنا الإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ
نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 50/16]. أقول كما
قال الله. يقول: كفرت، ينبغي أن تقول الله في السماء، في السماء؟ وهذه الآيات
الأخرى؟ لا، إنه لا يفقه من الكتاب الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم إلا هذه
الآية، لكي يبث الفرقة، لكي يبث الشقاق.

ما معنى أن الله ينزل في الثلث
الأخير من كل ليلة إلى السماء الدنيا؟
ينبغي أن يقول: ينزل، يكون فوق العرش
فينزل. فإن قال: ينزل بعلمه، برحمته، بقدرته، بلطفه. يقول: كفرت. عطلت كتاب الله عز
وجل.
يسأله سؤال مستفهم: حسناً في أي ساعة ينزل؟ يقول: ينزل قبل الفجر بساعة
ونصف. يقول له: حسناً قبل الفجر بساعة ونصف في بلاد الشام هي قبل الفجر بثلاث ساعات
أو أربع ساعات في بلدة قريبة أو بعيدة أخرى، وهي قبل الفجر بسبع ساعات في بلد آخر،
وهي قبل الفجر بعشر ساعات. إذن ينبغي أن ينزل الله عز وجل في كل لحظة لحظة – حسب
الأماكن التي يكون وقت نزوله فيها قبل الفجر بساعة ونصف. قال: نعم. قال: فإذن متى
يستوي الرب على العرش؟ هو مشغول بالنزول هنا وهنا وهنا وهنا خلال الأربع والعشرين
ساعة دون توقف. متى يكون الإله مستوياً على العرش؟ لا أقول: يسكت. يخرس. ويقول:
مهما يكن الأمر فأنت مبتدع، أنت كافر، أنت كذا.

يا هذا! أمتنا تبضع، تقطع
أوصالها، أمتنا تأكل لقمة لقمة من قبل أعداء هذه الأمة، وربك يحذر من هذا الذي تخوض
فيه، لك في الآيات المحكمة في كتاب الله غنىً، لك في قول الله تعالى: {لَيْسَ
كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 42/11]غنىً، لك في قوله سبحانه وتعالى: {وَلَمْ يَكُنْ
لَهُ كُفُواً أَحَدٌ} [الإخلاص: 112/4]غنىً، فلماذا تحاول أن تشعل ناراً فوق هذه
النار التي تلتهم هذه الأمة؟
أيها الإخوة! أنا أحمد الله عز وجل أن بلدنا هذه،
لا أقول هي معافاة من هؤلاء الذين دأبهم النفخ في هذه النار، ولكن هذه المصيبة
بالنسبة للبلاد القريبة والبعيدة الأخرى منا نادرة وقليلة جداً، والفضل في هذا
الأمر اثنين:
الأمر الأول: الشام كانت ولا تزال البلد الذي يعشق العلم، مساجده
ليست عامرة بالصلوات فقط، بل عامرة أيضاً في البكور والآصال بدروس العلم، بحلقات
العلم، الشباب والكهول والشيوخ لا ينتسبون إلى الإسلام في هذه البلدة انتساباً
تقليدياً، بل ينتسبون إليه بروح من الدراية والوعي والعلم، وهؤلاء لا يستطيعون أن
يفرخوا إلى في ظلمات الجهل. ولذلك فبوسعكم أن تبحثوا عن أنشطة تجدونها أنشطة في
القرى، في الأماكن البعيدة عن دروس العلم المختلفة، هذا هو الفضل الأول الذي جعل
هذه المصيبة قليلة بالنسبة لما نراه في البلاد الأخرى.
السبب الثاني: الذي ينبغي
ألا نتجاهله وأن نعلمه: سهر المسؤولين على تنظيف هذه البلدة من هؤلاء الذين دأبهم
استثارة الفتنة كما قال الله عز وجل: {ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ
تَأْوِيلِهِ} [آل ‌عمران: 3/7] وهنا التأويل الإبعاد، ابتغاء إبعاده عن المعنى الذي
أراده الله سبحانه وتعالى بدليل قوله: {وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاّ اللَّهُ
وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} [آل ‌عمران: 3/7]أجل أيها الإخوة، و((لم يشكر الله
من لم يشكر الناس)) كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم وآله وسلم.
ولكن ينبغي
أن أقول! إن هؤلاء لا يفترون عن العمل، إن سلطت عليهم أضواء المراقبة في النهار
نشطوا في الليالي المظلمة، لذا فأنا ألفت النظر إلى ضرورة تعقب هؤلاء الذين لا
يبالون بالنيران التي تلتهم بنيان هذه الأمة من الأساس إلى القمة، لا يبالون بذلك
أبداً، وإنما يبالون بإثارة الفتن، وأنا على يقين أن روادهم القلائل الذين يتحركون
في الأقبية، أو يتحركون كما يتحرك الملقن على مسرح المسرحيات والتمثيليات، هؤلاء
ينالون أجورهم على هذا العمل، هؤلاء موظفون، علم ذلك من علم وجهل ذلك من جهل. أما
الكثرة الكاثرة فبين أحمق لا يعلم شيئاً مما وراء الأكمة، وبين إنسان يعبد عصبيته
الرعناء.
أقول قولي هذا، وأسأل الله عز وجل أن يجنب أمتنا نيران الفتن، فنيران
الفتن أيها الإخوة أخطر من هذه النيران التي تكاد تأتي على الأخضر واليابس في
العراق وفي فلسطين.
العلامة الدكتور محمد سعيد رمضان
البوطي