أولاً : أرحم البشر بالعيال



يقول أنس بن مالك:

"مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ~ صلى الله عليه و سلم ~ " [1] .

قال بريدة قال : كان رسول الله ~ صلى الله عليه و سلم ~ يخطبنا إذ جاء
الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران [ يتعثران في المشي ]
فنزل رسول الله ~ صلى الله عليه و سلم ~ من المنبر فحملهما ووضعهما بين
يديه ثم قال : " صدق الله ] إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ
فِتْنَةٌ [ [ سورة التغابن: الآية15]، نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان
ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما " [2] .

وعن شداد بن أوس قال :

خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ~ صلى الله عليه و سلم ~ فِي إِحْدَى
صَلَاتَيْ الْعِشَاءِ وَهُوَ حَامِلٌ حَسَنًا أَوْ حُسَيْنًا، فَتَقَدَّمَ
رَسُولُ اللَّهِ ~ صلى الله عليه و سلم ~ فَوَضَعَهُ، ثُمَّ كَبَّرَ
لِلصَّلَاةِ فَصَلَّى فَسَجَدَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلَاتِهِ سَجْدَةً
أَطَالَهَا . قال شداد : فَرَفَعْتُ رَأْسِي وَإِذَا الصَّبِيُّ عَلَى
ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ~ صلى الله عليه و سلم ~ وَهُوَ سَاجِدٌ فَرَجَعْتُ
إِلَى سُجُودِي فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ~ صلى الله عليه و سلم ~
الصَّلَاةَ قَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنَّكَ سَجَدْتَ
بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلَاتِكَ سَجْدَةً أَطَلْتَهَا حَتَّى ظَنَنَّا
أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ أَوْ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْكَ . قَالَ : "كُلُّ
ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ، وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي فَكَرِهْتُ أَنْ
أُعَجِّلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ " [3] !

وعن ثَابِت عَنْ أَنَس : أَخَذَ النَّبِيّ ~ صلى الله عليه و سلم ~ إِبْرَاهِيم فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ [4] .

ويقول أنس :

كان إبراهيم ( ابن محمد ~ صلى الله عليه و سلم ~ ) مسترضعًا له في عوالي
المدينة، فكان ينطلق ونحن معه فيدخل البيت وإنه ليدخن، وكان ظئره قينًا
فيأخذه فيقبله ثم يرجع [5] .



ثانيًا : توبيخه ~ صلى الله عليه و سلم ~ للغلاظ مع الأطفال



عن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: أَبْصَرَ اْلأَقْرَعُ بنُ حَابِسٍ الّنبيّ ~ صلى
الله عليه و سلم ~ وهُوَ يُقَبّلُ الْحَسَنَ فقالَ إنّ لي مِنَ الْوَلَدِ
عَشَرَةً ما قَبّلْتُ أحَداً مِنْهُمْ، فقالَ رَسُولُ الله ~ صلى الله عليه
و سلم ~ : "إنّهُ مَن لاَ يَرْحَمْ لا يُرْحَمْ" [6] .

وهو نداء إلى غلاظ القلوب عامة، وإلى المسيئين للأطفال خاصة..



ثالثًا : دعاؤه ~ صلى الله عليه و سلم ~ للأطفال



عن عائشة :

أن رسول الله ~ صلى الله عليه و سلم ~ كان يؤتى إليه بالصبيان "فيبرّك
عليهم "– أي يدعو لهم بالبركة، "ويحنكهم" [7] – أي يضع في أفواههم التمر
اللين الذي مضغه في حنكه الشريف.

وعن ابن عباس قال : كَانَ النَّبِيُّ ~ صلى الله عليه و سلم ~ يُعَوِّذُ
الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ وَيَقُولُ : إِنَّ أَبَاكُمَا [ إبراهيم عليه
السلام ] كَانَ يُعَوِّذُ بِهَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ : أَعُوذُ
بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ، وَهَامَّةٍ وَمِنْ
كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ" [8] .

وعن أسامة بن زيد عَنْ النَّبِيِّ ~ صلى الله عليه و سلم ~ أَنَّهُ كَانَ
يَأْخُذُهُ وَالْحَسَنَ وَيَقُولُ : "اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا
فَأَحِبَّهُمَا " [9] .

وقال البراء : رَأَيْتُ النَّبِيَّ ~ صلى الله عليه و سلم ~ وَالْحَسَنُ
بْنُ عَلِيٍّ عَلَى عَاتِقِهِ، يَقُولُ :" اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ
فَأَحِبَّهُ" [10] .



رابعًا : سلامه ~ صلى الله عليه و سلم ~ على الأطفال وعطفه عليهم



لقد كان محمد ~ صلى الله عليه و سلم ~ يسلم على الأطفال في الطرقات،
ويمسح على رؤوسهم ووجوههم، فعن جَابِرِ بن سَمُرَةَ ، قَالَ : صَلَّيْتُ
مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ~ صلى الله عليه و سلم ~ الأُولَى ثُمَّ خَرَجَ
إِلَى أَهْلِهِ ، وَخَرَجْتُ مَعَهُ فَاسْتَقْبَلَهُ وِلْدَانُ
الْمَدِينَةِ، فَجَعَلَ يَمْسَحُ خَدَّيْ أَحَدِهِمْ وَاحِدًا وَاحِدًا ،
قَالَ : وَأَمَّا أنا فَمَسَحَ خَدِّي فَوَجَدْتُ لِيَدِهِ بَرْدًا ورِيحًا
كَأَنَّمَا أَخْرَجَهَا مِنْ جُونَةِ عَطَّارٍ ~ صلى الله عليه و سلم ~
[11] .



خامسًا : رفقه ~ صلى الله عليه و سلم ~ بالأطفال إذا صلى بهم



يقول " كولن " :

"كانت صلاة رسول الله ~ صلى الله عليه و سلم ~ طويلة، ولا سيما النوافل
منها؛ إذ كانت تتجاوز طاقة الصحابة، ولكنه عندما يقف للصلاة يريد إطالتها
ويسمع بكاء طفل في أثنائها؛ إذ به يخفف صلاته ويتَجوَّز فيها؛ ذلك لأن
النساء كن يقفن للصلاة خلف رسول الله ~ صلى الله عليه و سلم ~أي يشتركن في
أداء صلاة الجماعة خلفه، فخوفاً من أن تكون أم ذلك الطفل موجودة بين
المصليات فإنه كان يخفف صلاته، ويسرع بها لكي يريح قلب تلك الأم" [12].

يقول النبي ~ صلى الله عليه و سلم ~ : "إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطول
فيها فأسمع بكاء الصبي فاتجوز في صلاتي كراهية ان أشق على أمه" [13] .

وعن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قال:

مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ إِمَامٍ قَطُّ أَخَفَّ صَلَاةً وَلَا أَتَمَّ مِنْ
النَّبِيِّ ~ صلى الله عليه و سلم ~ ، وَإِنْ كَانَ لَيَسْمَعُ بُكَاءَ
الصَّبِيِّ فَيُخَفِّفُ مَخَافَةَ أَنْ تُفْتَنَ أُمُّهُ [14].



سادسًا: تعزيزه ~ صلى الله عليه و سلم ~ للطفل الصادق



فلما نزل القرآن، مصدقًا لكلام عمير بن سعيد، عندما قال قول الصدق والحق في
رجل شتم النبي ~ صلى الله عليه و سلم ~ ، أخذ النبي ~ صلى الله عليه و
سلم ~ بأذن عمير فقال له النبي~ صلى الله عليه و سلم ~ - وهو يُحَيِّيه
على الصدق- : " وفت أذنك يا عمير.. وصدّقَكَ رَبُكَ" [15] .



سابعًا: ملاطفته ~ صلى الله عليه و سلم ~ للأطفال



عن أنس بن مالك قال:

كان رسول الله ~ صلى الله عليه و سلم ~ أحسن الناس خلقًا، وكان لي أخ
يقال له أبو عمير، فكان إذا جاء رسول الله ~ صلى الله عليه و سلم ~ فرآه
قال " أبا عمير ما فعل النغير ؟" [16] ..

والنغير طائر صغير كان أبو عمير يلعب معه !

وقد ~ صلى الله عليه و سلم ~ كان يصلي فإذا سجد ؛ وثب الحسن والحسين على
ظهره فإذا أراد الناس أن يمنعوهما ؛ أشار إليهم أن دعوهما ..

قال أبو هريرة : كنا نصلي مع رسول الله ~ صلى الله عليه و سلم ~ العشاء
فكان يصلي، فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره وإذا رفع رأسه أخذهما [
بيده من خلفه أخذا رفيقًا ] فوضعهما وضعًا رفيقًا ، فإذا عاد عادا فلما صلى
[ وضعهما على فخذيه ] جعل واحدًا هاهنا وواحدًا هاهنا .. ! قال أبو هريرة :


فجئته فقلت : يا رسول الله ألا أذهب بهما إلى أمهما ؟ قال : لا ..!" [17] .



ثامنًا: رحمته ~ صلى الله عليه و سلم ~ بغلام يهودي



فعَنْ أَنَسٍ قَالَ :

كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ ~ صلى الله عليه و سلم ~
فَمَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ~ صلى الله عليه و سلم ~ يَعُودُهُ
فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ : "أَسْلِمْ" فَنَظَرَ إِلَى
أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ .فَقَالَ : لَهُ أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ ~ صلى
الله عليه و سلم ~ فَأَسْلَمَ ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ~ صلى الله عليه و
سلم ~ وَهُوَ يَقُولُ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنْ
النَّارِ! !" [18] .



وهكذا نرى أعلى درجات الرحمة في شخصية هذا النبي الكريم ~ صلى الله عليه و
سلم ~ ، الذي يطلب من غلام يعالج سكرات الموت، أن ينطق بالشهادتين في
لاحظاته الأخيره، لتكونا برهاناً لرسول الله يشفع به أمام الله لهذا الغلام
.. يوم القيامة !

وهذا الشعور من رسول الله ~ صلى الله عليه و سلم ~ يبين عمق عاطفته النبيلة الجياشة تجاه سائر البشر على اختلاف عقائدهم ودياناتهم .

إتها الرغبة الشديدة الفياضة في هداية البشر ، رغم جهلهم المطبق برسالة
محمد – إلا من رحم الله -، فهو يدعوهم إلى الجنة، وهم يتفلتون منه، كما في
حديثه، الذي يمثِّل فيه لرحمته بتصوير رائع بليغ، فيقول: "مَثَلِي
وَمَثَلُكُمْ: كَمَثَلِ رَجُلٍ أَوْقَدَ نَارًا فَجَعَلَ الْجَنَادِبُ
وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهَا وَهُوَ يَذُبُّهُنَّ عَنْهَا، وَأَنَا آخِذٌ
بِحُجَزِكُمْ عَنْ النَّارِ وَأَنْتُمْ تَفَلَّتُونَ مِنْ يَدِي" [19] .