الحمد لله حمدا لا تعلمه الأسرار ولا تعرفه الأرواح ولا تدركه العقول ولا تضمره القلوب ولا تستشرف عليه النفوس ولا تنطق به الأفواه،
الجامع للمحامد الأزلية والممد للمحامد الأبدية بالتقديس للحامدين عن النظراء والأشباه،
والصلاة
على السيد المُوْتَى جوامع الكلم محمدٍ الذي عنت لِقَيُّومِيَّةِ
مَشْرِفِهِ الوجوه وسَجَدَتْ له الجِباه صلاةً دائمةً قائمةً ما نَطَقَتْ
بمجدهِ الألْسِنَةُ وتحركتْ بالصلاةِ عليه الشفاهُ وسلم تسليما عليه وعلى
الذين اصْطَفَى من كلِّ حليمٍ أواهٍ.
أما بعد: فإني ذاكرٌ في هذا الكتاب بعض ما تحوي عليه الجلالة من الأسرار والإشارات فأقول
إن
الله للأسماء بمنزلة الذات لما تحمله من الصفات فكل اسم فيه يندرج ومنه
يخرج وإليه يعرج وهو عند المحققين للتعلق لا للتخلق وحقيقته أنه دليل الذات
لا غير ثم انه يظهر في مواطن كثيرة ومراتب جمة
إذ لا فائدة لتصور الذات في تلك المواطن لما تطلبه تلك المراتب من المعاني والأحكام
فتكون الجلالة في ذلك الموطن تعطي بما تحتوي عليه من معاني الأسماء ما يعطيه ذلك الإسم من جهة ذلك المعنى الذي يختص به
وفيه
شرف ذلك الإسم من حيث أن الجلالة قامت مقامه في ذلك الموطن
بِمُهَيْمِنِيَّتِهَا على جميع الأسماء وخصوصيِّتها بالإحاطِيَّةِ فيها
كالمذنب إذا قال يا الله اغفر لي، فالجلالة ههنا نائبة مناب الغفار فلا
يجيبه منها إلا معنى الاسم الغفار وتبقى الجلالة مقدسة عن التقييد،
ثم
إنها غيب كلُّها ما فيها من عالم الشهادة شيءٌ إلا استرواح ما في وقت
تحريكها بالضم في قولك الله لا غير فإن الهو يظهر هناك وما عدا هذا فغيب
مجرَّدٌ أعني في اللفظ وأما في الخط والرقم فغيب مطلق لا غير.
واعلموا أنها تحوي من الحروف على ستة أحرف
وهي: ا ل ل ا ه و ،
أربعة منها ظاهرة في الرقم وهي الألف الأولية ولام بدء الغيب وهي المدغمة ولام بدء الشهادة وهي المنطوق بها مشددة وهاء الهوية.
وأربعة منها ظاهرة في اللفظ وهي ألف القدرة ولام بدء الشهادة وألف الذات وهاء الهو
وحرف واحد منها لا ظاهر في اللفظ ولا في الرقم لكنه مدلول عليه
وهو واو الهو في اللفظ وواو الهوية في الرقم وانحصرت حروفه،
واللام للعالم الأوسط وهو البرزخ وهو معقول
والهاء للغيب والواو لعالم الشهادة
ولما كان الله هو الغيب المطلق وكان فيه واو عالم الشهادة لأنها شفهية ولا يتمكن ظهورها في الله،
لهذا لم تظهر في الرقم ولا في اللفظ فكانت غيبا في الغيب
وهذا هو الغيب ومن هنا صح شرف الحس على العقل
فإن الحس اليوم غيب في العقل والعقل هو الظاهر
فإذا كان غدا في الدار الآخرة كانت الدولة في الحظيرة الإلهية وكثيب الرؤية للحس
فنظرت إليه الأبصار وكانت الغايات للأبصار والبدايات للعقول ولولا الغايات ما التفت أحد إلى البدايات
فإنظر ما هنا من الأسرار وهو أن الآخرة أشرف من الدنيا
قال الله تعالى ((تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ)) 67
سورة الأنفال، وقال تعالى ((وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى)) 17 سورة الأعلى.
ثم أن الآخرة لها البقاء والدنيا لها الزوال والفناء، والبقاء والديمومية أحسن وأشرف من الذهاب والفناء.
ثم أن المعرفة بالله ابتداء علم وغايتها عين، وعين اليقين أشرف من علم اليقين،
والعلم للعقل والعين والبصر، فالحس أشرف من العقل،
فإن العقل إليه يُسعى ومن أجل العين يَنظر، فصار عالم الشهادة غيب الغيب،
ولهذا
ظهر في الدنيا من أجل الدائرة فإنه ينعطف آخرها على أولها فصار عالم
الشهادة أولا وهو مقيد عما يجب له من الإطلاق فلا يبصر البصر إلا في جهة
ولا تسمع الأذن إلا في قرب،
فخلافه إذا مشى حقيقة، وانطلق من هذا
التقييد كسماع سارية ونظر عمر رضي الله عنه إليه من المدينة وبلوغ الصوت
وما أشبه ذلك وصار عالم الغيب وسطا وهو عالم العقل فإنه يأخذ عن الحس
براهينه لما يريد العلم به وصار عالم الشهادة المطلق غيبا في الغيب وله
يسعى العقل ويخدم وصورته في الدائرة هكذا:
لكل شيء ظل وظل الله العرش،
غير
أنه ليس كل ظل يمتد والعرش في الألوهية ظل غير ممتد لكنه غيب، ألا ترى
الأجسام ذوات الظل المحسوس إذا أحاطت بها الأنوار كان ظلها فيها،
والنور ظله فيه والظلمة ضياؤها فيها،
ولما استوى الله على قلب عبده المؤمن
فقال سبحانه(ما وسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي))
حين استوى الاسم الرحمن على العرش المعروف الظاهر،
فالعرش الظاهر ظل الرحمن والعرش الإنساني ظل الله وبين العرشين في المرتبة ما بين الاسم الله والرحمن وان كان قد قال سبحانه
(قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَـنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى))
فلا يخفى من كل وجه على كل عاقل تفاوت المراتب بين الاسمين
ولهذا قال المُكَلَّفون: ((وما الرحمن)) حين قال لهم ((اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ))
ولم يقولوا: وما الله،
ولما كان العرش سريرا صار غيبا في الرحمانية،
ولما
كان الاستواء الإلهي على القلب من باب وسعني صارت الألوهية غيبا في
الإنسان فشهادته إنسان وغيبه إله ولسريان الألوهية الغيبية في هذا الشخص
الإنساني ادَّعى الألوهية بالإسم الإله فقال فرعون(مَا عَلِمْتُ لَكُم
مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي))
ولم يتحر من أجل أن قالها عن المشيئة لا عن
الحال لا من طريق الأمر أن يقول ((أنا الله)) ولا قال إله وإنما قالها
بلفظة غيري فتفطَّن وصرح بالربوبية لكونها لا تقوى قوة الألوهية
فقال
((أَنَا ربُّكُمُ الأعْلَى)) بخلاف من قالها عن الحال من طريق الأمر
بمساعدة المشيئة فكان جمعا مثل أبي يزيد حين قال: إنني أنا اللهُ لاَ إله
إلا أنا فاعْبُدُوني وقال مرة: أنا الله فلم يكن للألوهية فيه موضع فراغ
ترمي سهامها فيه لكمال سعة السريان،
فعزة الألوهية على سائر المراتب الأسمائية ظاهرة وغالبة فلا مقاومة لإسم معها البتة.
الله
كلمة نفي شدت في العالم العلوي فارتفع بها الترجمان ومن عاد نفيا بعد
الإثبات فلا عين له ولو ظهر في اللفظ كما نفي الشريك بقوله لا شريك له فلا
عين له في الحكم واللفظ به موجود
وما بقي بعد نفي لا إلا الألفان وهو الأول والآخر فاضرب أحدهما في الآخر يخرج الهاء بينهما وينتفيان وهو الهو
فإن
الأول له تعالى اسم إضافي لا حقيقة له فيه فإنه بوجودنا وحدوث عيننا كان
له حكم الأولية وبتقدير فناء أعيننا كان حكم الآخرية ونحن من جانب الحقيقة
في عين
قال الله تعالى(وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً))
وقال تعالى(لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً))
فكأنا لم نكن فلا أولية إذن ولا آخرية إذ لا نحن فبقي هو خاصة وهو المطلوب.
لام هذا الاسم الأولى لام المعرفة، فإن الألف واللام للتعريف كما جاء،
والألف الأولى لكان الله ولا شيء معه فبقيت اللام الثانية والهاء
وكلامنا على صورة الرقم فهي لام الملك
فإن بزوال الألف واللام الأولى تبقى صورة له فهي لام الملك
والهاء كناية عن غيب الذات المطلقة
فإن الهاء أول الحروف ولها المبدأ وهي غيب في الإنسان ولكن أقصي الغيب
فصار هذا الاسم بهذه الإشارات يحوي على كان الله ولا شيء معه من حيث الألف
ويحوي على مقام المعرفة من حيث اللام الأولى
ويحوي على مقام الملك وفيه ظهور كل ما سواه من حيث اللام الثانية
ويحوي على ذكر العالم له من حيث الهاء لأنها دليل الغيب وهو غيب عنهم
فلا يطلقون عليه تعالى إلا هو
فبالألف يذكر نفسه
وبالهاء يذكره خلقه
وبالوجه الذي يلي الألف من لام المعرفة يعرف نفسه أزلا
وبالوجه الآخر منها الذي هي لام الملك يعرفه خلقه أبداً بالمعرفة المحدثة
ومن حيث اللام نفسها التي هي لام المعرفة تعرفه المعرفة
فقد كمل في هذا الاسم الوجود المُحدث والقديم صفته حقيقة وموصوفه،
فانظر ما أتم هذا الاسم وما أكمله
وأما
الألف الظاهرة في اللفظ بعد لام الملك المتصلة بالهاء في الخط والواو
الغيبية في الهاء إذا نطق بالهاء الروح فإن نطق بها الجسم عادت الواو ياء
فإن نطقت بها النفس المثلية عادت ألفا فحكم هذه الألف النطقية والواو
المتحولة من صورة إلى صورة بحسب الناطق حكم آخر
وذلك أن الهاء لما كانت
تنظر إلى الألف الأولى ومقام الألف هناك أ، لا يتصل به شيء ظهرت الألف بعد
اللام فاتصلت بها اللام في النطق فبقيت الهاء ولا شيء معها
ما دام الكون لا يذكرها فهي ساكنة سكون حياة لا سكون موت
فإن نطق بها الكون أو ذكرها فلا بد أن يكون الذاكر كما قدمنا فيظهر بعدها من الحروف كما ذكرنا.
ثم تحقق ما ذكرناه في الهو والها والهي من التحام الهويات لإيجاد الكائنات
إذا نطقت بقولك باللهِ بكسر الهاء واللهَ بفتح الهاء واللهُ بضم الهاء
تجد الهو في الضم والهاء في الفتح والهي في الخفض وبقي في السكون لهذا الباب كما ذكرناه وهو الثبوت.
لما
كانت له المهيمنية على سائر الأسماء سرت فيه الأسماء إذا ظهر وسرى فيها
إذا ظهرت سريان الماء في الماء وكان التعيين عن واحد من هذه الأسماء فيها
أوتعيينها فيه للحكم والأثر وما توجهت عليه، فالقصص تبدي الأسماء والألوهية
في العلم والأسماء، والألوهية توجد القصص فكأن الأمر دوري.
حكم
هذا الإسم في العالم الذي يخصه الزائد له على مقام الجمعية والمهيمنية هو
الحيرة السارية في كل شيء عندما يريد المعرفة به والمشاهدة
وحضرته الفعل وهو المشهد الذي لا يشهده منه سواه،
وكل من تكلم فيه قد فقد جهل ما يتكلم فيه ويتخيل أنه قد أصاب وهو مخطىء،
وبهذا المشهد الكوني والحضرة الفعلية صحَّت الألوهية لا غير
حتى
أن العقلاء وأصحاب القياس من أصحابنا مثل أبي حامد وغيره تخيل أن المعرفة
به تقدم على المعرفة بنا عند الأكابر وهو غلط نعم يعرفونه من حيث التقسيم
العقلي أن الموجودات تنقسم قسمين إلى ما له أول وإلى ما لا أول له وغير
ذلك،
وهذا كله صحيح ولكن لا يعرفون أبدا كونه إلها ابتداء قبل معرفتهم
بهم وكونه ذاتا معلوم صحيح غير كونه إلها، وكلامنا في الألوهية لا في أنه
ثم ذات قديمة يستحيل عليها العدم فالقائلون بهذا القول لا تثبت لهم المعرفة
بالألوهية واسمه الله إلا بعد معرفتهم به
ولهذا صرح الشرع بالربوبية على حد ما ذكرنا فقال (من عرف نفسه عرف ربه)
ولم يقل من عرف الرب عرف نفسه،
فإنه
لا يصح فإذا كانت الربوبية التي هي الباب الأقرب إلينا لم تمكن معرفتنا
بها إلا بنا فأين أنت والألوهية، وقد كنى الشرع عن هذا المقام الإلهي أن
حضرته الحيرة في قوله
حين قيل له أين كان ربنا قبل أن يخلق السماء والأرض
فقال
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم (في عما) بالقصر والمد، (ما فوقه هواء
وما تحته هواء)، كلمة نفي، فالقصر للحيرة وجعلها للاسم الله،
فلهذا حارت البصائر والألباب في إدراكه من أي وجه طلبته، لأنه لا يتقيد بالأين،
والمد
للسحاب وهو الجو الحامل للماء الذي هو الحياة ومنه كل شيء فهو في ذاته لا
يقال فيه أين ودل عليه بموجود برزخي بين السماء والأرض وفي البرازخ حارت
الحيرات فكيف المتحيرون كالخط بين والظل والشمس والمتوهم بين النقطتين
والخطين وبين السطحين وبين كل شيئين فعادت الكلمة البرزخية إلى الحيرة
بعينها فما ثم إلا الحيرة فما حصَّل أحد منه إلا ما عنده، لم يحصل غريبا
ولا ينبغي أن يحصل،
فإن قلت هو هو فهو هو وإن قلت ليس هو هو فليس هو هو وحارت الحيرة.